دولة بني صهيون والنزع الأخير

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

يقول الله تعالى "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا" (الإسراء: 7).

لقد أخبرنا الله تعالى بفساد بني إسرائيل مرتين في القرآن الكريم، وقد قضى الله تعالى عليهم ذلك، وأجمع جمهور المفسرين من العلماء على أنَّ الفساد الأول قد حدث، وأن بختنصر الملك البابلي الكلداني قضى على دولة بني إسرائيل الأولى التي تأسست على سيدنا سليمان وسيدنا داود عليهما السلام، واحتل بختنصر أو نبوخذ نصر القدس وشردهم في الأرض، ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك ولم تكن لهم دولة طوال عصور التاريخ إلى وقتنا الحاضر، عندما قاموا بتأسيس كيان مزعوم لهم على أرض فلسطين العربية، في مؤامرة تاريخية شاركت فيها الدول الاستعمارية التي قدمت لهم كل شيء من أجل قيام دولتهم.

لقد فسد بنو إسرائيل في الأرض عبر التاريخ، وقد حكى القرآن العظيم قصصهم وتاريخهم في قتل الأنبياء والمرسلين والشرك بالله وارتكاب المحرمات واستباحة الذنوب، وقد سلط الله تعالى عليهم من يسومهم سوء العذاب كلما فسدوا وعصوا، ولذلك فإنَّ هذه الفئة جبلت على الفساد وتفننت فيه وتجاوزت كل الأجناس البشرية في طغيانها وشرها، وبرعوا في المكايد والدسائس والفتن وارتكاب الذنوب والخطايا، وكما ذكرت سابقًا فالقرآن الكريم قصَّ قصصهم وجعلهم عبرة لمن أراد أن يتفكر ويعتبر.

والدارس لتاريخ بني إسرائيل أو اليهود بشكل عام يُدرك أن لهذا الشعب صفات ذكرها كثير من المؤرخين مثل المكر والخبث والخيانة والغدر، ولا يملكون صفات الكرم والشجاعة والصدق والوفاء، بل إنهم لا يعيشون إلا في مدن مُحصنة خلف أسوار عالية، ولذلك فهم يعيشون في تجمعات متحصنين، "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ" (الحشر: 14).

ويحكي التاريخ أنَّ كثيرًا من الدول التي عاش فيها اليهود كانوا مصدر قلق ومكائد وفتن؛ حيث أحدثوا حروبًا داخلية بين أفراد الدولة الواحدة، وفرقوا أبناءها وجعلوهم يتقاتلون، وتسببوا في إسقاط بعض الدول لسعة مكرهم وخبثهم وقدرتهم على زعزعة استقرار البلاد وأهلها، وما فعله اللوبي اليهودي بالدولة العثمانية ليس بخافٍ على أحد.

ومنذ أن عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897 بقيادة هيرتزل المؤسس الحقيقي للحركة الصهيونية العالمية، والذي صدر فيه عدد من القرارات منها تأسيس وطن لليهود في فلسطين، لم تشهد البشرية استقرارًا في الأحوال، وتبدل حال العالم ونشبت الحروب وثارت الفتن وانقسم العالم إلى جبهات متصارعة، وتسابقت الدول للسيطرة على بعضها البعض، واندلعت حروب عالمية وابتلي العالم بالكثير من الأزمات والأحداث في كل المجالات، وكل ذلك يقف خلفه بني صهيون في سبيل تحقيق حلمهم التاريخي، ولم يكتفوا بذلك فحسب؛ بل إن أحلامهم كبرت- وإن كانت من البداية واضحة- وبات طموحهم يتعدى فلسطين المحتلة إلى دولة إسرائيل الكبرى من النهر إلى النهر.

وما نشاهده في عالمنا اليوم من اضطرابات ليست سوى خطط ينفذها بني صهيون لقيام دولتهم المزعومة، وما يمر به العالم من أزمات وجوائح ومشاكل وحروب ما هي إلا خطوات تقربهم من حلمهم، ورغم أن العالم بات يدرك كل ذلك إلا أن قدرة هذا الجنس على تسخير كل شيء من أجل خدمة مصالحهم وخاصة سياستهم الماسونية وتسخير الأموال التي يمتلكونها في سبيل ذلك تجعل العالم منقادًا لهم، ولا يوجد مثال أصدق من حال الدول العظمى التي باتت متحكم بها من قبلهم يحركونها من أجل تحقيق أهدافهم، ويسيطرون على قراراتها بشكل تام.

هذا الطغيان والفساد الذي وصل إليه هذا الكيان، وهذا التكبر والعلو الذي نشاهده اليوم ما هو إلا تحقيقًا لوعد الله تعالى الذي أنزله في كتابه العزيز، فما بعد هذا العلو والتكبر سوى الزوال والانتهاء، يقول المفكر الإسلامي الدكتور عبدالوهاب المسيري إن دولة إسرائيل هي دولة وظيفية وليست دولة طبيعية، وسوف تزول عندما يزول الداعم والمساند لها، ويقول كذلك إنَّ هذا الكيان يجمع أفرادا من أجناس مختلفة غير متجانسة، ولا ترتبط مع بعضها البعض، ولذلك سوف تنشأ خلافات بين أفرادها تتسبب في تآكل المجتمع من الداخل وانهيار الدولة، ويضيف الدكتور عبدالوهاب أن السبب الأبرز في فناء إسرائيل يمكن في أن التاريخ يعلمنا أن الكيانات الاستيطانية لا تستمر إلى الأبد، فجميع هذه الكيانات اندثرت مع الوقت.

ما يمُر به المجتمع الصهيوني في هذا الوقت يبين أنَّ هذا الكيان ينازع لحظاته الأخيرة، وأن مشهد التفوق الذي يظنه البعض ما هو إلّا "الرقصة الأخيرة" التي يرقصها الطائر المذبوح؛ فاستمرار المقاومة لهذا الاحتلال سواء من داخل فلسطين المحتلة أو من خارجها، وانكشاف حقيقة هذا المشروع العبثي في منطقة الشرق الأوسط للعالم، وما يواجه الداعمين لمشروع إسرائيل من تحديات داخلية في بلدانهم وخارجية من انتقادات ومواقف دولية، كل ذلك يعجل بانتهاء هذا المشروع المنبوذ من العالم الحُر الذي توضحت له صورة هذه الشرذمة البشرية التي كانت على الدوام مصدر الشرور والفساد في العالم.

إسرائيل المشروع يسقط بقوة، وذلك لأنه مشروع قام بالأساس على الظلم والطغيان وسلب الأرض والفساد والخداع، وربما تعجل حرب إيران من هذا السقوط، حيث كشفت حرب غزة الأخيرة (طوفان الأقصى) مرة أخرى عجز القوة العسكرية الإسرائيلية في التفوق على عقيدة الجهاد رغم الفارق الكبير في الإمكانات، وكما أثبتت حرب إيران أنَّ هذه القوة العظيمة مبالغ في تقديرها، واتضح عجزها مرة أخرى لتسقط من جديد مقولة الجيش الذي لا يقهر بعد أن سقط سابقًا أمام جيش مصر العظيم.

قد تجد إسرائيل مخرجًا مؤقتًا من حرب إيران هي وربيبتها أمريكا التي أضحت ذراعاً يتحرك بأمر هذا الكيان اللقيط، نعم قد تجد مخرجًا مؤقتًا، ولكن الأكيد أنها سوف تخرج خاسرة، وسوف تضع مسامير جديدة في نعشها في انتظار الموت الذي وعدوا به والنهاية التي كتبت عليهم في اللوح المحفوظ، وفي انتظار مشهد دخول بيت المقدس بإذن الله.

الأكثر قراءة

z